محمد بن زكريا الرازي

456

الحاوي في الطب

ثخنا ولزوجة ودهنية ومعه نتن ، وربما كان أشد حمرة واللحم والشحم يذوبان ما دام ذلك فهذه الحمى ردية جدا وتسمى المذيبة ، وعليك بسقي الماء البارد غير المفرط البرد ، واعتمد حينئذ على الماء البارد والأضمدة المبردة على الصدر والبطن كله والأغذية المبردة واستعمل غاية التبريد والتقوية . من مقالة جالينوس في « الذبول » ، قال : الذبول فساد الحيوان من قبل اليبس ويكون مع حرارة ومع برودة وهو حينئذ مركب من يبس وحر أو يبس وبرد ، فأما الذبول اليابس البسيط فإنه يكون من عدم الغذاء ، والمركب مع برد فكما يعرض للشيوخ ، والحادث مع حرارة فكالحادث مع الحميات الحارة والذبول غير مفارق للشيوخة ، والشيوخة إنما هي غلبة اليبس ، وأما حفظ البدن من الشيوخة فممتنع ، والبرهان أورده في المقالة ولم أستحسنه أنا . قال : ومقاومة البدن كيلا ييبس سريعا وتمتد به الرطوبة مدة طويلة فممكن وهذا الجزء من الطب هو المسمى تدبير الشيخوخة . والغرض فيه مداواة جرم القلب لئلا يجف سريعا ، والشيوخ ينبغي لهم إذا استحموا وأكلوا أن يناموا على فرش لينة فإن هذا التدبير أصوب من تدبير المشايخ ، لأن الاستحمام والنوم على الفرش اللينة من الأشياء المرطبة وخاصة هي بالغذاء أكثر ترطيبا من ترطيب جميع الأشياء ، وذلك أن الغذاء من بين جميع التدبير المرطب يبين لك ترطيبه للبدن من يومه ، وترطيبه له بأن يرطب نفس جوهر الأعضاء الأصلية ويزيد في الرطوبة التي بها التحام أجزائها ، لأنه يستحيل إلى جوهر هذه الأعضاء الأصلية - أعني القلب والكبد ونحوهما - فأما سائر التدبير المرطب كالحمام ونحوه فإنما يودع الرطوبة إلى الخلل الذي بين الأجزاء ، ويرطب البدن بالرطوبة المنبثة في خلل الأجزاء بمنزلة الطلي . لي : وإن قصر عن هذا فينبغي أن تجف هذه الرطوبة أو تبطل ، وممكن في وقت من الأوقات أن يكون تزيد الرطوبة المبثوثة في خلل الأعضاء تترطب منها الأعضاء الأصلية كما أنه قد تجف عن ذهاب هذه الأعضاء الأصلية . قال : والكبد والقلب لا يعدمان الرطوبة إلا أن ينقص الدم في البدن نقصانا مفرطا جدا وهي إبطاء الأعضاء جفافا . فأما الكبد فلأنها مبدأ الدم ، وأما القلب فلقوته الجاذبة لا يمكن أن يعدم الغذاء إلا وقد عدمه جميع البدن ، فلذلك ينبغي أن يظن أن حال القلب والكبد في الأبدان التي قد نحلت وقصفت ليست متساوية بحال الأعضاء بل تعلم أنها أخصب أبدا وأرطب من سائر الأعضاء ، ولو أنك قتلت حيوانا جوعا وشرحته لوجدت قلبه وكبده قريبتين من الحال الطبيعية في الرطوبة وسائر أعضائه جافة يابسة صلبة . قال : والذبول الذي يكون القلب فيه باردا لا حمى معه ، ويدل على ذلك صغر النبض وتفاوته وكذلك النفس فإنه صغير متفاوت ، ولا يخرج حارا كالحال الطبيعية ، ولا في نواحي الصدر والمجسة حرارة ، فبذلك يعلم أنه لا حمى بهم . قال : وإنما فيهم من دلائل الحميات صلابة النبض ، وصلابة النبض في هؤلاء عن شدة